فخر الدين الرازي
45
تفسير الرازي
المسألة الثانية : في قوله * ( وسبح ) * قولان أحدهما : المراد منه : وصل لأن الصلاة تسمى تسبيحاً قال الله تعالى : * ( فسبحان الله حين تمسون ) * وأيضاً الصلاة مشتملة على التسبيح ، فجاز تسمية الصلاة بالتسبيح ، وههنا الدليل دل على وقوع هذا المحتمل وهو من وجهين الأول : أنا لو حملناه على التسبيح والتهليل لم يبق بين هذه الآية وبين ما قبلها وهو قوله * ( واذكر ربك ) * فرق ، وحينئذ يبطل لأن عطف الشيء على نفسه غير جائز والثاني : وهو أنه شديد الموافقة لقوله تعالى : * ( أقم الصلاة طرفي النهار ) * وثانيهما : أن قوله * ( واذكر ربك ) * محمول على الذكر باللسان . القصة الثالثة وصفه طهارة مريم صلوات الله عليها قوله تعالى * ( وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ واَصْطَفَاكِ عَلَى نِسَآءِ الْعَالَمِينَ * يامَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبِّكِ وَاسْجُدِى وَارْكَعِى مَعَ الرَاكِعِينَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : عامل الإعراب ههنا في * ( إذ ) * هو ما ذكرناه في قوله * ( إذ قالت امرأة عمران ) * ( آل عمران : 35 ) من قوله * ( سميع عليم ) * ثم عطف عليه * ( إذ قالت الملائكة ) * وقيل : تقديره واذكر إذ قالت الملائكة . المسألة الثانية : قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده ، وهذا كقوله * ( ينزل الملائكة بالروح من أمره ) * ( النحل : 2 ) يعني جبريل ، وهذا وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه ، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم عليها السلام هو جبريل عليه السلام ، وهو قوله * ( فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشراً سوياً ) * ( مريم : 17 ) . المسألة الثالثة : اعلم أن مريم عليها السلام ما كانت من الأنبياء لقوله تعالى : * ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القرى ) * ( يوسف : 109 ) وإذا كان كذلك كان إرسال جبريل عليه السلام إليها إما أن يكون كرامة لها ، وهو مذهب من يجوز كرامات الأولياء ، أو إرهاصاً لعيسى عليه السلام ، وذلك جائز عندنا ، وعند الكعبي من المعتزلة ، أو معجزة لزكريا عليه السلام ، وهو قول جمهور المعتزلة ، ومن الناس من قال : إن ذلك كان على سبيل النفث في الروع والإلهام والإلقاء في القلب ، كما كان في حق أم موسى عليه السلام في قوله * ( وأوحينا إلى أم موسى ) * ( القصص : 7 ) . المسألة الرابعة : اعلم أن المذكور في هذه الآية أولاً : هو الاصطفاء ، وثانياً : التطهير ، وثالثاً : الاصطفاء على نساء العالمين ، ولا يجوز أن يكون الاصطفاء أولاً من الاصطفاء الثاني ، لما أن التصريح